#بقلم: الدكتور خالد بشارات – دكتوراه في العلاج النفسي التحليلي التكاملي
تستمر جمعية سلامتك في التعاون مع المختصين بهدف تقديم مقالات إرشادية تساعد الجمهور على التعامل مع حالات الطوارئ والمواقف النفسية الصعبة. في هذا المقال، نقدم دليلًا عمليًا لحماية النفس من آثار متابعة الأخبار والصور الصادمة، مع نصائح للحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي.
التعرض للأخبار والصور الصادمة يثير استجابة عصبية ونفسية عميقة، وليس مجرد انزعاج عابر. الدماغ يتعامل مع هذه المشاهد وكأن الخطر حاضر الآن، حتى لو كانت المشاهد على الشاشة فقط. لذلك، لا يجب مقاومة الشعور أو تجاهله، بل فهمه وقبوله كاستجابة طبيعية، إذ يحاول الجهاز العصبي حمايتنا.
الاستجابة الجسدية والصحية
عند مشاهدة مناظر أو صور مؤلمة، يدخل الجسم في حالة تأهب: زيادة نبض القلب، ضيق في التنفس، اندفاعية الأفكار، وغيرها. في هذه اللحظة، يجب التخفيف من التوتر وتهدئة الاستجابة، وليس مناقشة الخبر أو الصورة. كيف؟
وجه انتباهك لجسدك.
تنفس ببطء وعمق.
المس شيئًا ثابتًا بالقرب منك، أو اضغط بقدميك على الأرض.
هذه الخطوات تساعد الدماغ على العودة من حالة الخطر إلى حالة الأمان.
تنظيم التعرض للأخبار والصور الصادمة
الاستمرار في مشاهدة المشاهد المؤلمة يخلق نوعًا من “الإدمان على التوتر”، حيث يبحث الدماغ عن نهاية للقصة بلا جدوى. لذلك، اعطِ نفسك إذنًا بالتوقف. هذا ليس هروبًا، بل حماية لنفسك.
إذا بقيت الصور في ذهنك وكأنها شريط يُعاد تلقائيًا، يمكنك:
الاعتراف بها بلطف.
إعادة توجيه انتباهك إلى شيء واقعي أمامك.
مع التكرار، يتعلم الدماغ أن هذه الصور ليست تهديدًا حقيقيًا.
الانتباه للأفكار
لاحظ أفكارك مثل: “العالم أصبح خطيرًا جدًا”. هذه نتيجة مبالغة الدماغ في تقدير الخطر. حاول إعادة التوازن: نعم هناك خطر، لكن هناك مسافات، حدود، وأشياء مستقرة في حياتك. الدعم الاجتماعي مهم جدًا، لأنه يساعد الدماغ على معالجة التجربة بدل أن تبقى عالقة داخلك. كما يُفضل بناء مساحة آمنة تشمل نشاطات تحبها ولحظات هدوء.
حماية النفس من الإرهاق النفسي
متابعة الأخبار المخيفة باستمرار تسبب استنزافًا نفسيًا، لأن الدماغ لا يفرق بين المتابعة أو عيش الحدث. لحماية نفسك:
غير علاقتك بالأخبار وحدد وقتًا محددًا للاطلاع عليها.
انتبه لأحاسيسك الداخلية، فكل خبر له تأثير مختلف عليك، مثل ضيق الصدر أو تسارع الأفكار أو ميل للسلبيّة.
امنح نفسك فترات يومية بلا أخبار، أو لحظات تواصل إنساني بسيطة، أو نشاطات ممتعة.
مع الوقت، ستلاحظ أن علاقتك بالأخبار أصبحت أكثر هدوءًا، وأنك ترى الواقع بوضوح دون استنزاف نفسي.
متى يجب التوقف عن متابعة الأخبار؟
ليس هناك وقت محدد؛ بل يعتمد على حالتك الداخلية. يجب التوقف عندما تتحول المعلومة إلى ضغط مستمر، أو عند ملاحظة:
توتر جسدي واضح (انقباض الصدر، تسارع التفكير، صعوبة بالتركيز).
إشارات نفسية مثل أفكار سوداوية أو فقدان الإحساس بالاكتفاء.
توتر في السلوك، اضطراب في النوم، فقدان الرغبة في الأنشطة المعتادة.
التعامل مع الأخبار الصعبة داخل الأسرة
الحديث عن الأخبار الصعبة داخل البيت يجب أن يكون متوازنًا:
ليس كل خبر يجب أن يُقال، وليس كل وقت مناسب للعرض.
قدم الأخبار بطريقة بسيطة وواضحة حسب الحاجة، مع ترك مساحة للأسئلة.
راقب ردود أفعال الآخرين، فبعضهم يريد الحديث لتخفيف التوتر، والبعض الآخر يفضل الاستماع أو الانسحاب.
التركيز لا يكون على الخطر نفسه، بل على إعادة عناصر الأمان: نحن معًا وسنحمي أنفسنا، والواقع الخارجي شيء، والحياة داخل الأسرة متماسكة. الطريقة التي نتعامل بها نحن الكبار مع بعضنا، وكيف نناقش الأخبار أمام الصغار أو من يشعر بالخوف، تؤثر بشكل كبير على التوازن النفسي للأسرة.